الشيخ عبد الله البحراني

247

العوالم ، الإمام الرضا ( ع )

فلم يزل يرادّه « 1 » الكلام في ذلك . فلمّا ألحّ عليه ، قال : يا أمير المؤمنين ، إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ ، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكما خرج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام . فقال المأمون : اخرج كما تحبّ ، وأمر المأمون القواد والناس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن عليه السلام . فقعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح من الرجال والنساء والصبيان ، واجتمع القوّاد على باب الرضا عليه السلام . فلمّا طلعت الشمس قام الرضا عليه السلام فاغتسل ، وتعمّم بعمامة بيضاء من قطن ، وألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه وتشمّر ، ثمّ قال لجميع مواليه : افعلوا مثل ما فعلت ، ثمّ أخذ بيده عكّازة « 2 » وخرج ونحن بين يديه ، وهو حاف ، قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمّرة . فلمّا قام ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبّر أربع تكبيرات ، فخيّل إلينا أن الهواء والحيطان تجاوبه ، والقوّاد والناس على الباب قد تزيّنوا ولبسوا السلاح وتهيّئوا بأحسن هيئة . فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمّرنا وطلع الرضا عليه السلام وقف وقفة على الباب وقال : « اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، اللّه أكبر على ما هدانا ، اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد للّه على ما أبلانا » . ورفع بذلك صوته ورفعنا أصواتنا ، فتزعزعت « 3 » مرو من البكاء والصياح ، فقالها ثلاث مرّات ، فسقط القوّاد عن دوابّهم ، ورموا بخفافهم لمّا نظروا إلى أبي الحسن عليه السلام وصارت مرو ضجّة واحدة ، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج .

--> ( 1 ) - « يردّه » م . رادّه في الكلام : راجعه إيّاه . ( 2 ) - « بيان : العكّازة - بضمّ العين وتشديد الكاف - : عصا في أسفلها حديدة » منه ره . ( 3 ) - « التزعزع : التحرّك الشديد » منه ره .